Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:84
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ ”﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾“ أيْ لا نُفَرِّقُ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وذَمَّ قَوْمًا وصَفَهم بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكم وضَلَّ عَنْكم ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] .
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: إنَّ إقْرارَنا بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ إنَّما كانَ لِأجْلِ كَوْنِنا مُنْقادِينَ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَسْلِمِينَ لِحُكْمِهِ وأمْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهُ عَلى خِلافِ الَّذِينَ خاطَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
والثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ”﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾“ أيْ مُسْتَسْلِمُونَ لِأمْرِ اللَّهِ بِالرِّضا وتَرْكِ المُخالَفَةِ وتِلْكَ صِفَةُ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وهم أهْلُ السِّلْمِ والكافِرُونَ يُوصَفُونَ بِالمُحارَبَةِ لِلَّهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] . الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، والتَّقْدِيرُ: لَهُ أسْلَمْنا لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن سُمْعَةٍ ورِياءٍ وطَلَبِ مالٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حالَهم بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَفْعَلُونَ ولا يَقُولُونَ إلّا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ وطَلَبِ الأمْوالِ واللَّهُ أعْلَمُ.