Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَفي خُضُوعِ كُلِّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وهو الأصَحُّ عِنْدِي أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِهِ ولا يُعْدَمُ إلّا بِإعْدامِهِ، فَإذَنْ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ فَهو مُنْقادٌ خاضِعٌ لِجَلالِ اللَّهِ في طَرَفَيْ وُجُودِهِ وعَدَمِهِ، وهَذا هو نِهايَةُ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ، ثُمَّ إنَّ في هَذا الوَجْهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ولَهُ أسْلَمَ﴾“ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ ولَهُ أسْلَمَ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تُفِيدُ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ واحِدٌ، وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا بِتَكْوِينِهِ ولا يَفْنى إلّا بِإفْنائِهِ سَواءٌ كانَ عَقْلًا أوْ نَفْسًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا أوْ عَرَضًا أوْ فاعِلًا أوْ فِعْلًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الرعد: ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الوَجْهُ الثّانِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى الِامْتِناعِ عَلَيْهِ في مُرادِهِ، وإمّا أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ
صفحة ١٠٨