Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:83
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: «رُوِيَ أنَّ فَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ اخْتَصَمُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ادَّعى أنَّهُ أوْلى بِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كِلا الفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا: ما نَرْضى بِقَضائِكَ ولا نَأْخُذُ بِدِينِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، ويَبْعُدُ عِنْدِي حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا السَّبَبِ؛ لِأنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُنْقَطِعَةً عَمّا قَبْلَها، والِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَها بِما قَبْلَها، فالوَجْهُ في الآيَةِ أنَّ هَذا المِيثاقَ لَمّا كانَ مَذْكُورًا في كُتُبِهِمْ وهم كانُوا عارِفِينَ بِذَلِكَ، فَقَدْ كانُوا عالِمِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النُّبُوَّةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِكُفْرِهِمْ سَبَبٌ إلّا مُجَرَّدَ العَداوَةِ والحَسَدِ فَصارُوا كَإبْلِيسَ الَّذِي دَعاهُ الحَسَدُ إلى الكُفْرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهم مَتى كانُوا طالِبِينَ دِينًا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ، ومَعْبُودًا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
* * *
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّمَرُّدَ عَلى اللَّهِ تَعالى والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ مِمّا لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ فَقالَ: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: الإسْلامُ، هو الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ والخُضُوعُ.