Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:81-82
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ النَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المُغايَبَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ وهو مُخاطَبَةُ إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ فَقالَ مُخاطِبًا لَهم لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، والإضْمارُ بابٌ واسِعٌ في القُرْآنِ، ومِنَ العُلَماءِ مَنِ التَزَمَ في هَذِهِ الآيَةِ إضْمارًا آخَرَ وأراحَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ الَّتِي حَكَيْناها عَنِ النَّحْوِيِّينَ، فَقالَ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَتُبَلِّغُنَّ النّاسَ ما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ، قالَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ لَتُبَلِّغُنَّ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لامَ القَسَمِ إنَّما يَقَعُ عَلى الفِعْلِ، فَلَمّا دَلَّتْ هَذِهِ اللّامُ عَلى هَذا الفِعْلِ لا جَرَمَ حَذَفَهُ اخْتِصارًا، ثُمَّ قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ﴾، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْتَقِيمُ النَّظْمُ ولا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ تِلْكَ التَّعَسُّفاتِ، وإذا كانَ لا بُدَّ مِنِ التِزامِ الإضْمارِ، فَهَذا الإضْمارُ الَّذِي بِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ نَظْمًا بَيِّنًا جَلِيًّا أوْلى مِن تِلْكَ التَّكَلُّفاتِ.