Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ المَخْلُوقِ مِن عِنْدِ الخالِقِ أوْكَدَ مِن كَوْنِ المَأْمُورِ بِهِ مِن عِنْدِ الآمِرِ بِهِ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى أوْلى.
والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهَذا يَنْفِي كَوْنَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ مِن عِنْدِهِ لا بِالخَلْقِ ولا بِالحُكْمِ.
والجَوابُ: أمّا قَوْلُ الجُبّائِيِّ لَوْ حَمَلْنا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ لَزِمَ التَّكْرارُ، فَجَوابُهُ ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الكِتابِ وهَذا لا يَمْنَعُ مِن
صفحة ٩٦
كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى ثابِتًا بِقَوْلِ الرَّسُولِ أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَمّا قالَ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثَبَتَ نَفْيُ كَوْنِهِ حُكْمًا لِلَّهِ تَعالى وعَلى هَذا الوَجْهِ زالَ التَّكْرارُ.
وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: مِنَ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما الكَعْبِيُّ، فَجَوابُهُ: أنَّ الجَوابَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُنْطَبِقًا عَلى السُّؤالِ، والقَوْمُ ما كانُوا في ادِّعاءِ أنَّ ما ذَكَرُوهُ وفَعَلُوهُ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى، بَلْ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ ونازِلٌ في كِتابِهِ.
فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عائِدًا إلى هَذا المَعْنى لا إلى غَيْرِهِ، وبِهَذا الطَّرِيقِ يَظْهَرُ فَسادُ ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الثّانِي واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *