Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:75-76
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في لَفْظِ ”القائِمِ“ وجْهانِ: مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ والمُلازَمَةِ لَهُ، والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِما دَفَعْتَ إلَيْهِ ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، فَإنْ أنْظَرْتَ وأخَّرْتَ أنْكَرَ، ومِنهم مَن حَمَلَ لَفْظَ ”القائِمِ“ عَلى مَجازِهِ ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مِن هَذا القِيامِ الإلْحاحُ والخُصُومَةُ والتَّقاضِي والمُطالَبَةُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُهُ أنَّ المُطالِبَ لِلشَّيْءِ يَقُومُ فِيهِ والتّارِكَ لَهُ يَقْعُدُ عَنْهُ، دَلِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾“ أيْ عامِلَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ غَيْرُ تارِكَةٍ، ثُمَّ قِيلَ: لِكُلِّ مَن واظَبَ عَلى مُطالَبَةِ أمْرٍ أنَّهُ قامَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قِيامٌ.
الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: القِيامُ في اللُّغَةِ بِمَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، وذَكَرْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا لا يُنْسَخُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أيْ دائِمًا ثابِتًا في مُطالَبَتِكَ إيّاهُ بِذَلِكَ المالِ.
صفحة ٩٠