Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:73-74
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما مَعْناهُ: الدِّينُ دِينُ اللَّهِ، ومِثْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] .
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بَيانِ أنَّهُ كَيْفَ صارَ هَذا الكَلامُ جَوابًا عَمّا حَكاهُ عَنْهم ؟ فَنَقُولُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وهو قَوْلُهم: لا دِينَ إلّا ما هم عَلَيْهِ، فَهَذا الكَلامُ إنَّما صَلَحَ جَوابًا عَنْهُ مِن حَيْثُ إنَّ الَّذِي هم عَلَيْهِ إنَّما ثَبَتَ دِينًا مِن جِهَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِهِ وأرْشَدَ إلَيْهِ وأوْجَبَ الِانْقِيادَ لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمَتى أمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ وأرْشَدَ إلى غَيْرِهِ، وأوْجَبَ الِانْقِيادَ إلى غَيْرِهِ كانَ نَبِيًّا يَجِبُ أنْ يُتَّبَعَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ الدِّينَ إنَّما صارَ دِينًا بِحُكْمِهِ وهِدايَتِهِ، فَحَيْثُما كانَ حُكْمُهُ وجَبَتْ مُتابَعَتُهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى جَوابًا لَهم عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] يَعْنِي: الجِهاتُ كُلُّها لِلَّهِ، فَلَهُ أنْ يُحَوِّلَ القِبْلَةَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فالمَعْنى أنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقَدْ جِئْتُكم بِهِ فَلَنْ يَنْفَعَكم في دَفْعِهِ هَذا الكَيْدُ الضَّعِيفُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ .