Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: (تَعالَوْا)، فالمُرادُ تَعْيِينُ ما دَعَوْا إلَيْهِ والتَّوَجُّهُ إلى النَّظَرِ فِيهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ انْتِقالًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ؛ لِأنَّ أصْلَ اللَّفْظِ مَأْخُوذٌ مِنَ التَّعالِي وهو الِارْتِفاعُ مِن مَوْضِعٍ هابِطٍ إلى مَكانٍ عالٍ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ دالًّا عَلى طَلَبِ التَّوَجُّهِ إلى حَيْثُ يُدْعى إلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾ فالمَعْنى هَلُمُّوا إلى كَلِمَةٍ فِيها إنْصافٌ مِن بَعْضِنا لِبَعْضٍ، لا مَيْلَ فِيهِ لِأحَدٍ عَلى صاحِبِهِ، والسَّواءُ هو العَدْلُ والإنْصافُ، وذَلِكَ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإنْصافِ إعْطاءُ النُّصْفِ، فَإنَّ الواجِبَ في العُقُولِ تَرْكُ الظُّلْمِ عَلى النَّفْسِ وعَلى الغَيْرِ، وذَلِكَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإعْطاءِ النُّصْفِ، فَإذا أنْصَفَ وتَرَكَ ظُلْمَهُ أعْطاهُ النُّصْفَ فَقَدْ سَوّى بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ وحَصَلَ الِاعْتِدالُ، وإذا ظَلَمَ وأخَذَ أكَثَرَ مِمّا أعْطى زالَ الِاعْتِدالُ، فَلَمّا كانَ مِن لَوازِمِ العَدْلِ والإنْصافِ التَّسْوِيَةُ جُعِلَ لَفْظُ التَّسْوِيَةِ عِبارَةً عَنِ العَدْلِ.
ثُمَّ قالَ الزَّجّاجُ: ”سَواءٍ“ نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ يُرِيدُ: ذاتِ سَواءٍ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ أيْ: كَلِمَةٍ عادِلَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ مُسْتَوِيَةٍ، فَإذا آمَنّا بِها نَحْنُ وأنْتُمْ كُنّا عَلى السَّواءِ والِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ﴾، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: مَحَلُّ ”أنْ“ في قَوْلِهِ أنْ لا نَعْبُدَ، فِيهِ وجْهانِ: