Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:61
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: وهو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَوَّفَهم بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ واثِقًا بِذَلِكَ، لَكانَ ذَلِكَ مِنهُ سَعْيًا في إظْهارِ كَذِبِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَرْغَبُوا في مُباهَلَتِهِ، ثُمَّ لا يَنْزِلُ العَذابُ، فَحِينَئِذٍ كانَ يَظْهَرُ كَذِبُهُ فِيما أخْبَرَ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ مِن أعْقَلِ النّاسِ، فَلا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَعْمَلَ عَمَلًا يُفْضِي إلى ظُهُورِ كَذِبِهِ فَلَمّا أصَرَّ عَلى ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما أصَرَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واثِقًا بِنُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.
وثانِيهِما: أنَّ القَوْمَ لَمّا تَرَكُوا مُباهَلَتَهُ، فَلَوْلا أنَّهم عَرَفُوا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وإلّا لَما أحْجَمُوا عَنْ مُباهَلَتِهِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا شاكِّينَ، فَتَرَكُوا مُباهَلَتَهُ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ صادِقًا فَيَنْزِلَ بِهِمْ ما ذَكَرَ مِنَ العَذابِ ؟
قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ كانُوا يَبْذُلُونَ النُّفُوسَ والأمْوالَ في المُنازَعَةِ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ كانُوا شاكِّينَ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ.