Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:56
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ سَلَّمْتُمْ في الوَجْهِ الأوَّلِ أنَّهُ عَذابٌ لِلْكافِرِ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وكَلِمَةُ ”لَوْ“ تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا تُوجَدَ المُؤاخَذَةُ في الدُّنْيا، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] وذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ المُجازاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، لا في الدُّنْيا، قُلْنا: الآيَةُ الدّالَّةُ عَلى حُصُولِ العِقابِ في الدُّنْيا خاصَّةٌ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: وصْفُ العَذابِ بِالشِّدَّةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِقابُ الكافِرِ في الدُّنْيا أشَدَّ، ولَسْنا نَجِدُ الأمْرَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الأمْرَ تارَةً يَكُونُ عَلى الكُفّارِ وأُخْرى عَلى المُسْلِمِينَ، ولا نَجِدُ بَيْنَ النّاسِ تَفاوُتًا.
قُلْنا: بَلِ التَّفاوُتُ مَوْجُودٌ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الآيَةَ في بَيانِ أمْرِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَرى الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ لازِمَةً لَهم، فَزالَ الإشْكالُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وصَفَ تَعالى هَذا العَذابَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَدْفَعُ ذَلِكَ العَذابَ عَنْهم.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ يَمْتَنِعُ عَلى الأئِمَّةِ والمُؤْمِنِينَ قَتْلُ الكُفّارِ بِسَبَبِ العَهْدِ وعَقْدِ الذِّمَّةِ ؟