Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النّاسُ في لَفْظِ ”الخالِقِ“ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ: إنَّهُ لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والحُسْبانِ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، وقالَ أصْحابُنا: الخالِقُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] ومِنهم مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر: ٣] وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ﴾ [فاطر: ٣] فالمَعْنى هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ مَوْصُوفٌ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رازِقًا مِنَ السَّماءِ، ولا يَلْزَمُ مِن صِدْقِ قَوْلِنا: الخالِقُ الَّذِي يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ، لَيْسَ إلّا اللَّهُ، صِدْقُ قَوْلِنا إنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ.
صفحة ٥٠
وأجابُوا عَنْ كَلامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والظَّنِّ لَكِنَّ الظَّنَّ وإنْ كانَ مُحالًا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى فالعِلْمُ ثابِتٌ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: ﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ مَعْناهُ: أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ وقَوْلُهُ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فالهَيْئَةُ: الصُّورَةُ المُهَيَّئَةُ مِن قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إذْ قَدَّرْتَهُ، وقَوْلُهُ: (فَأنْفُخُ فِيهِ) أيْ في ذَلِكَ الطِّينِ المُصَوَّرِ.
* * *
وقَوْلُهُ: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: