Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:45
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ أنَّ تَصَوُّرَ المُنافِي يُوجِبُ حُصُولَ كَيْفِيَّةِ الغَضَبِ، ويُوجِبُ حُصُولَ السُّخُونَةِ الشَّدِيدَةِ في البَدَنِ، ألَيْسَ اللَّوْحُ الطَّوِيلُ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ قَدَرَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ ولَوْ جُعِلَ كالقَنْطَرَةِ عَلى وهْدَةٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ؟ بَلْ كُلَّما مَشى عَلَيْهِ يَسْقُطُ وما ذاكَ إلّا أنَّ تَصَوُّرَ السُّقُوطِ يُوجِبُ حُصُولَ السُّقُوطِ، وقَدْ ذَكَرُوا في كُتُبِ الفَلْسَفَةِ أمْثِلَةً كَثِيرَةً لِهَذا البابِ، وجَعَلُوها كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها، وإذا كانَ كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُمْكِنًا مُحْتَمَلًا كانَ القَوْلُ بِحُدُوثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ قَوْلًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، ولَوْ أنَّكَ طالَبْتَ جَمِيعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن أرْبابِ الطَّبائِعِ والطِّبِّ والفَلْسَفَةِ عَلى إقامَةِ حُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ في امْتِناعِ حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ الأبِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا إلّا الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْراءِ العُرْفِ والعادَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الفَلاسِفَةِ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِقْراءِ لا يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُمْكِنٌ فَلَمّا أُخْبِرَ العِبادُ عَنْ وُقُوعِهِ وجَبَ الجَزْمُ بِهِ والقَطْعُ بِصِحَّتِهِ.