Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْنى يُلْقُونَ أقْلامَهم: مِمّا كانَتِ الأُمَمُ تَفْعَلُهُ مِنَ المُساهَمَةِ عِنْدَ التَّنازُعِ فَيَطْرَحُونَ مِنها ما يَكْتُبُونَ عَلَيْها أسْماءَهم، فَمَن خَرَجَ لَهُ السَّهْمُ سُلِّمَ لَهُ الأمْرُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وهو شَبِيهٌ
صفحة ٤١
بِأمْرِ القِداحِ الَّتِي تَتَقاسَمُ بِها العَرَبُ لَحْمَ الجَزُورِ، وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ السِّهامُ أقْلامًا لِأنَّها تُقَلَّمُ وتُبْرى، وكُلُّ ما قَطَعْتَ مِنهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ قَلَّمْتَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ يُسَمّى ما يُكْتَبُ بِهِ قَلَمًا.
قالَ القاضِي: وُقُوعُ لَفْظِ القَلَمِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ وإنْ كانَ صَحِيحًا نَظَرًا إلى أصْلِ الِاشْتِقاقِ، إلّا أنَّ العُرْفَ أوْجَبَ اخْتِصاصَ القَلَمِ بِهَذا الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ لَفْظِ القَلَمِ عَلَيْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُلْقُونَ أقْلامَهم في شَيْءٍ عَلى وجْهٍ يَظْهَرُ بِهِ امْتِيازُ بَعْضِهِمْ عَنِ البَعْضِ في اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ المَطْلُوبِ، وإمّا لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الإلْقاءِ، إلّا أنَّهُ رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّهم كانُوا يُلْقُونَها في الماءِ بِشَرْطِ أنَّ مَن جَرى قَلَمُهُ عَلى خِلافِ جَرْيِ الماءِ فاليَدُ لَهُ، ثُمَّ إنَّهُ حَصَلَ هَذا المَعْنى لِزَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلا جَرَمَ صارَ هو أوْلى بِكَفالَتِها واللَّهُ أعْلَمُ.