Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:38
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هُنالِكَ دَعا﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ دَعا بِهَذا الدُّعاءِ عِنْدَ أمْرٍ عَرَفَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَذا الدُّعاءِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، والجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ العُلَماءِ المُحَقِّقِينَ والمُفَسِّرِينَ قالُوا: هو أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى عِنْدَ مَرْيَمَ مِن فاكِهَةِ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، ومِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، فَلَمّا رَأى خَوارِقَ العاداتِ عِنْدَها، طَمِعَ في أنْ يَخْرِقَها اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ أيْضًا فَيَرْزُقَهُ الوَلَدَ مِنَ الزَّوْجَةِ الشَّيْخَةِ العاقِرِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ كَراماتِ الأوْلِياءِ، وإرْهاصاتِ الأنْبِياءِ قالُوا: إنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَأى آثارَ الصَّلاحِ والعَفافِ والتَّقْوى مُجْتَمِعَةً في حَقِّ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - اشْتَهى الوَلَدَ وتَمَنّاهُ فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، وذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ الزُّهْدِ والعَفافِ والسِّيرَةِ المُرْضِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلى انْخِراقِ العاداتِ، فَرُؤْيَةُ ذَلِكَ لا يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى طَلَبِ ما يَخْرِقُ العادَةَ، وأمّا رُؤْيَةُ ما يَخْرِقُ العادَةَ قَدْ يُطْمِعُهُ في أنْ يَطْلُبَ أيْضًا فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الهَرَمِ والزَّوْجَةِ العاقِرِ مِن خَوارِقِ العاداتِ، فَكانَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أوْلى.