Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:33-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَقامُ الثّانِي: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ قَدْ ظَهَرَ عَلى مَرْيَمَ شَيْءٌ مِن خَوارِقِ العاداتِ، بَلْ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ سَبَّبَ لَها رِزْقًا عَلى أيْدِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في الإنْفاقِ عَلى الزّاهِداتِ العابِداتِ، فَكانَ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ خافَ أنَّهُ رُبَّما أتاها ذَلِكَ الرِّزْقُ مِن وجْهٍ لا يَنْبَغِي، فَكانَ يَسْألُها عَنْ كَيْفِيَّةِ الحالِ، هَذا مَجْمُوعُ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ في تَفْسِيرِهِ وهو في غايَةِ الضَّعْفِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مَأْذُونًا لَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى في طَلَبِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ مَأْذُونًا في ذَلِكَ الطَّلَبِ كانَ عالِمًا قَطْعًا بِأنَّهُ يَحْصُلُ، وإذا عَلِمَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَطْلُبَ مِنها كَيْفِيَّةَ الحالِ، ولَمْ يَبْقَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٣٨] فائِدَةٌ، وهَذا هو الجَوابُ بِعَيْنِهِ عَنِ الوَجْهِ الثّانِي.
وأمّا سُؤالُهُ الثّالِثُ فَفي غايَةِ الرَّكاكَةِ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَبْقى فِيهِ وجْهُ اخْتِصاصٍ لِمَرْيَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا فَإنْ كانَ في قَلْبِهِ احْتِمالٌ أنَّهُ رُبَّما أتاها هَذا الرِّزْقُ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي، فَبِمُجَرَّدِ إخْبارِها كَيْفَ يُعْقَلُ زَوالُ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَعَلِمْنا سُقُوطَ هَذِهِ الأسْئِلَةِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.