Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:33-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إلّا بِإخْبارِ مَرْيَمَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ ما كانَتْ مُعْجِزَةً لِزَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ كَرامَةً لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ كانَتْ كَرامَةً لِمَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُقُوعِ كَراماتِ الأوْلِياءِ.
اعْتَرَضَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ وقالَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ كانَتْ مِن مُعْجِزاتِ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَها عَلى الإجْمالِ أنْ يُوَصِّلَ اللَّهُ إلَيْها رِزْقًا، وأنَّهُ رُبَّما كانَ غافِلًا عَنْ تَفاصِيلِ ما يَأْتِيها مِنَ الأرْزاقِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فَإذا رَأى شَيْئًا بِعَيْنِهِ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ قالَ لَها: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أظْهَرَ بِدُعائِهِ تِلْكَ المُعْجِزَةَ. والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ زَكَرِيّا يُشاهِدُ عِنْدَ مَرْيَمَ رِزْقًا مُعْتادًا إلّا أنَّهُ كانَ يَأْتِيها مِنَ السَّماءِ، وكانَ زَكَرِيّا يَسْألُها عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِن أنْ يَكُونَ يَأْتِيها مِن عِنْدِ إنْسانٍ يَبْعَثُهُ إلَيْها، فَقالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لا مِن عِنْدِ غَيْرِهِ.