Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:33-37
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحِفْظِ، قالَ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعْلى: ٦ ] ومِنها قُوَّةُ الذَّكاءِ «قالَ عَلِيٌّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ألْفَ بابٍ مِنَ العِلْمِ واسْتَنْبَطْتُ مِن كُلِّ بابٍ ألْفَ بابٍ»“ فَإذا كانَ حالُ الوَلِيِّ هَكَذا، فَكَيْفَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ .
وأمّا القُوى المُحَرِّكَةُ: فَمِثْلُ عُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المِعْراجِ، وعُرُوجِ عِيسى حَيًّا إلى السَّماءِ، ورَفْعِ إدْرِيسَ وإلْياسَ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ الأخْبارُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٠ ] .
وأمّا القُوى الرُّوحانِيَّةُ العَقْلِيَّةُ: فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ في غايَةِ الكَمالِ، ونِهايَةِ الصَّفاءِ.
واعْلَمْ أنَّ تَمامَ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ النَّفْسَ القُدْسِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ مُخالِفَةٌ بِماهِيَّتِها لِسائِرِ النُّفُوسِ، ومِن لَوازِمِ تِلْكَ النَّفْسِ الكَمالُ في الذَّكاءِ، والفِطْنَةِ، والحُرِّيَّةِ، والِاسْتِعْلاءُ، والتَّرَفُّعُ عَنِ الجِسْمانِيّاتِ والشَّهَواتِ، فَإذا كانَتِ الرُّوحُ في غايَةِ الصَّفاءِ والشَّرَفِ، وكانَ البَدَنُ في غايَةِ النَّقاءِ والطَّهارَةِ كانَتْ هَذِهِ القُوى المُحَرِّكَةُ المُدْرِكَةُ في غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى أنْوارٍ فائِضَةٍ مِن جَوْهَرِ الرُّوحِ واصِلَةٌ إلى البَدَنِ، ومَتى كانَ الفاعِلُ والقابِلُ في غايَةِ الكَمالِ كانَتِ الآثارُ في غايَةِ القُوَّةِ والشَّرَفِ والصَّفاءِ.