Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:30
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذا التَّمَنِّي مَعْلُومٌ، سَواءٌ حَمَلْنا لَفْظَ الأمَدِ عَلى الزَّمانِ أوْ عَلى المَكانِ، إذِ المَقْصُودُ تَمَنِّي بُعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ. ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِهِمْ حَيْثُ حَذَّرَهم مِن نَفْسِهِ، وعَرَّفَهم كَمالَ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ، ورَغَّبَهم في اسْتِيجابِ رَحْمَتِهِ، وحَذَّرَهم مِنِ اسْتِحْقاقِ غَضَبِهِ، قالَ الحَسَنُ: ومِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ أنْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.
الثّانِي: أنَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ حَيْثُ أمْهَلَهم لِلتَّوْبَةِ والتَّدارُكِ والتَّلافِي. الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وهو لِلْوَعِيدِ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ وهو المَوْعِدُ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ وعْدَهُ ورَحْمَتَهُ، غالِبٌ عَلى وعِيدِهِ وسَخَطِهِ.
والرّابِعُ: وهو أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مُخْتَصٌّ، قالَ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفُرْقانِ: ٦٣ ] وقالَ تَعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنْسانِ: ٦ ]
صفحة ١٦
فَكانَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ الكُفّارِ والفُسّاقِ ذَكَرَ وعْدَ أهْلِ الطّاعَةِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ أيْ كَما هو مُنْتَقِمٌ مِنَ الفُسّاقِ، فَهو رَؤُوفٌ بِالمُطِيعِينَ والمُحْسِنِينَ.