Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ظاهِرًا وباطِنًا واسْتَثْنى عَنْهُ التَّقِيَّةَ في الظّاهِرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ عَلى أنْ يَصِيرَ الباطِنُ مُوافِقًا لِلظّاهِرِ في وقْتِ التَّقِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن أقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلى إظْهارِ المُوالاةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُولِ تِلْكَ المُوالاةِ في الباطِنِ، فَلا جَرَمَ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ عالِمٌ بِالبَواطِنِ كَعِلْمِهِ بِالظَّواهِرِ، فَيَعْلَمُ العَبْدُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَهُ عَلى كُلِّ ما عَزَمَ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ، وفي الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: هَذِهِ الآيَةُ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ﴾ شَرْطٌ وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ جَزاءٌ ولا شَكَّ أنَّ الجَزاءَ مُتَرَتِّبٌ عَلى الشَّرْطِ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، فَهَذا يَقْتَضِي حُدُوثَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ: أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَصَلَ الآنَ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِهِ الآنَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّبَدُّلَ والتَّجَدُّدَ إنَّما وقَعَ في النِّسَبِ والإضافاتِ والتَّعْلِيقاتِ لا في حَقِيقَةِ العِلْمِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ لَها غَوْرٌ عَظِيمٌ وهي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ.