Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ نَظِيرَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النَّحْلِ: ١٠٦ ] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلتَّقِيَّةِ أحْكامًا كَثِيرَةً ونَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَها.
الحُكْمُ الأوَّلُ: أنَّ التَّقِيَّةَ إنَّما تَكُونُ إذا كانَ الرَّجُلُ في قَوْمٍ كُفّارٍ، ويَخافُ مِنهم عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ فَيُدارِيهِمْ بِاللِّسانِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يُظْهِرَ العَداوَةَ بِاللِّسانِ، بَلْ يَجُوزُ أيْضًا أنْ يُظْهِرَ الكَلامَ المُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ والمُوالاةِ، ولَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يُضْمِرَ خِلافَهُ، وأنْ يُعَرِّضَ في كُلِّ ما يَقُولُ، فَإنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُها في الظّاهِرِ لا في أحْوالِ القُلُوبِ.
الحُكْمُ الثّانِي لِلتَّقِيَّةِ: هو أنَّهُ لَوْ أفْصَحَ بِالإيمانِ والحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كانَ ذَلِكَ أفْضَلَ، ودَلِيلُهُ ما ذَكَرْناهُ في قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ.
الحُكْمُ الثّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ: أنَّها إنَّما تَجُوزُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ المُوالاةِ والمُعاداةِ، وقَدْ تَجُوزُ أيْضًا فِيما يَتَعَلَّقُ بِإظْهارِ الدِّينِ فَأمّا ما يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلى الغَيْرِ كالقَتْلِ والزِّنا وغَصْبِ الأمْوالِ والشَّهادَةِ بِالزُّورِ وقَذْفِ المُحْصَناتِ وإطْلاعِ الكُفّارِ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ البَتَّةَ.