Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:23-25
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ التَّوْراةُ واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهِ بِوُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّ الرِّواياتِ المَذْكُورَةَ في سَبَبِ النُّزُولِ دالَّةٌ عَلى أنَّ القَوْمَ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى التَّوْراةِ فَكانُوا يَأْبَوْنَ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى عَجَّبَ رَسُولَهُ ﷺ مِن تَمَرُّدِهِمْ وإعْراضِهِمْ، والتَّعَجُّبُ إنَّما يَحْصُلُ إذا تَمَرَّدُوا عَنْ حُكْمِ الكِتابِ الَّذِي يَعْتَقِدُونَ في صِحَّتِهِ، ويُقِرُّونَ بِحَقِيقَتِهِ. الثّالِثُ: أنَّ هَذا هو المُناسِبُ لِما قَبْلَ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وصَبَّرَهُ عَلى ما قالُوهُ في تَكْذِيبِهِ مَعَ ظُهُورِ الحُجَّةِ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما اسْتَعْمَلُوا طَرِيقَ المُكابَرَةِ في نَفْسِ كِتابِهِمُ الَّذِي أقَرُّوا بِصِحَّتِهِ فَسَتَرُوا ما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم في غايَةِ التَّعَصُّبِ والبُعْدِ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ فالمَعْنى: لِيَحْكُمَ الكِتابُ بَيْنَهم، وإضافَةُ الحُكْمِ إلى الكِتابِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، وقُرِئَ ”لِيُحْكَمَ“ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقَوْلُهُ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ واقِعًا فِيما بَيْنَهم، لا فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهُمُ الرُّؤَساءُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم هُمُ العُلَماءُ.