Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الخامِسُ: يَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ إشارَةً إلى طَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
أمّا قَوْلُهُ ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ أسَلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، أيْ أخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ يُقالُ أسَلَمْتُ الشَّيْءَ لِفُلانٍ أيْ أخْلَصْتُهُ لَهُ، ولَمْ يُشارِكْهُ غَيْرُهُ. قالَ: ويَعْنِي بِالوَجْهِ هاهُنا العَمَلَ كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أيْ عِبادَتَهُ، ويُقالُ: هَذا وجْهُ الأمْرِ أيْ خالِصُ الأمْرِ، وإذا قَصَدَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ لِحاجَةٍ يَقُولُ: وجَّهْتُ وجْهِيَ إلَيْكَ، ويُقالُ لِلْمُنْهَمِكِ في الشَّيْءِ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْهُ: مَرَّ عَلى وجْهِهِ. الثّانِي: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسَلَمْتُ وجْهَ عَمَلِي لِلَّهِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ ما يَصْدُرُ مِنِّي مِنَ الأعْمالِ فالوَجْهُ في الإتْيانِ بِها هو عُبُودِيَّةُ اللَّهِ تَعالى والِانْقِيادُ لِإلَهِيَّتِهِ وحُكْمِهِ. الثّالِثُ: أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أسْلَمْتُ نَفَسِي لِلَّهِ ولَيْسَ في العِبادَةِ مَقامٌ أعْلى مِن إسْلامِ النَّفْسِ لِلَّهِ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى عِبادَتِهِ، عادِلٌ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ: