Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّالِثُ: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ ما خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كَتْبَةِ هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ ادَّعى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ لا غَيْرَ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ﴾ يَعْنِي فَإنْ نازَعُوكَ في قَوْلِكَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقُلِ: الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنِّي أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدِّينِ إنَّما هو الوَفاءُ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَإذا أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ فَلا أعْبُدُ غَيْرَهُ ولا أتَوَقَّعُ الخَيْرَ إلّا مِنهُ ولا أخافُ إلّا مِن قَهْرِهِ وسَطْوَتِهِ، ولا أُشْرِكُ بِهِ غَيْرَهُ، كانَ هَذا هو تَمامُ الوَفاءِ بِلَوازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَصَحَّ أنَّ الدِّينَ الكامِلَ هو الإسْلامُ، وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ الآيَةَ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ: ما خَطَرَ بِبالِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٢٢] يَعْنِي لا تَجُوزُ العِبادَةُ إلّا لِمَن يَكُونُ نافِعًا ضارًّا، ويَكُونُ أمْرِي في يَدَيْهِ، وحُكْمِي في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ، فَإنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى ما كانَ قادِرًا عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، امْتَنَعَ في العَقْلِ أنْ أُسْلِمَ لَهُ، وأنْ أنْقادَ لَهُ، وإنَّما أُسْلِمُ وجْهِيَ لِلَّذِي مِنهُ الخَيْرُ، والشَّرُّ، والنَّفْعُ، والضُّرُّ، والتَّدْبِيرُ، والتَّقْدِيرُ.