Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿الصّابِرِينَ والصّادِقِينَ﴾ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ يَصْبِرُونَ ويَصْدُقُونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿الصّابِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى عادَتُهم وخُلُقُهم، وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ أنْواعًا مِنَ التَّكْلِيفِ، والصّابِرُ هو مَن يَصْبِرُ عَلى أداءِ جَمِيعِ أنْواعِها، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ قَدْ يَلْتَزِمُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ أنْواعًا أُخَرَ مِنَ الطّاعاتِ، وإمّا بِسَبَبِ الشُّرُوعِ فِيهِ، وكَمالُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أنَّهُ إذا التَزَمَ طاعَةً أنْ يُصَدِّقَ نَفْسَهُ في التِزامِهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ لِلْمُلْتَزِمِ مِن غَيْرِ خَلَلٍ البَتَّةَ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مُتَأخِّرَةً عَنِ الأُولى، لا جَرَمَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الصّابِرِينَ أوَّلًا ثُمَّ قالَ: (الصّادِقِينَ) ثانِيًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى المُواظَبَةِ عَلى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الطّاعَةِ، فَقالَ: (والقانِتِينَ) فَهَذِهِ الألْفاظُ الثَّلاثَةُ لِلتَّرْغِيبِ في المُواظَبَةِ عَلى جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ الطّاعاتِ المُعَيَّنَةَ، وكانَ أعْظَمَ الطّاعاتِ قَدْرًا أمْرانِ:
أحَدُهُما: الخِدْمَةُ بِالمالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ» “ فَذَكَرَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (والمُنْفِقِينَ)