Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: كَوْنُهم مُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ، والسَّحَرُ الوَقْتُ الَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وتَسَحَّرَ إذا أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، واعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ مَن يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِالِاسْتِغْفارِ والدُّعاءِ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَشْتَغِلُ بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى قَبْلَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا قَدْ صَلَّوْا بِاللَّيْلِ. واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِالسَّحَرِ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في قُوَّةِ الإيمانِ وفي كَمالِ العُبُودِيَّةِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ في وقْتِ السَّحَرِ يَطْلُعُ نُورُ الصُّبْحِ بَعْدَ أنْ كانَتِ الظُّلْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وبِسَبَبِ طُلُوعِ نُورِ الصُّبْحِ كَأنَّ الأمْواتَ يَصِيرُونَ أحْياءً، فَهُناكَ وقْتُ الجُودِ العامِّ والفَيْضِ التّامِّ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عِنْدَ طُلُوعِ صُبْحِ العالِمِ الكَبِيرِ يَطْلُعُ صُبْحُ العالَمِ الصَّغِيرِ، وهو ظُهُورُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّ وقْتَ السَّحَرِ أطْيَبُ أوْقاتِ النَّوْمِ، فَإذا أعْرَضَ العَبْدُ عَنْ تِلْكَ اللَّذَّةِ، وأقْبَلَ عَلى العُبُودِيَّةِ، كانَتِ الطّاعَةُ أكْمَلَ. والثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ يُرِيدُ المُصَلِّينَ صَلاةَ الصُّبْحِ.