Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:14
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ المَحَبَّةَ حَسَنَةٌ وفَضِيلَةٌ، ولَمّا اجْتَمَعَتْ في هَذِهِ القَضِيَّةِ الدَّرَجاتُ الثَّلاثَةُ بَلَغَتِ الغايَةَ القُصْوى في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ولا يَكادُ يَنْحَلُّ إلّا بِتَوْفِيقٍ عَظِيمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ إلى النّاسِ، وهو لَفْظٌ عامٌّ دَخَلَهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ فَيُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي أنَّ هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، والعَقْلُ أيْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو أنَّ كُلَّ ما كانَ لَذِيذًا ونافِعًا فَهو مَحْبُوبٌ ومَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، واللَّذِيذُ النّافِعُ قِسْمانِ: جُسْمانِيٌّ ورُوحانِيٌّ، والقِسْمُ الجُسْمانِيُّ حاصِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ في أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا القِسْمُ الرُّوحانِيُّ فَلا يَكُونُ إلّا في الإنْسانِ الواحِدِ عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، ثُمَّ ذَلِكَ الإنْسانُ إنَّما يَحْصُلُ لَهُ تِلْكَ اللَّذَّةُ الرُّوحانِيَّةُ بَعْدَ اسْتِئْناسِ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَيَكُونُ انْجِذابُ النَّفْسِ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ كالمَلَكَةِ المُسْتَقِرَّةِ المُتَأكَّدَةِ، وانْجِذابُها إلى اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ كالحالَةِ الطّارِئَةِ الَّتِي تَزُولُ بِأدْنى سَبَبٍ، فَلا جَرَمَ كانَ الغالِبُ عَلى الخَلْقِ إنَّما هو المَيْلُ الشَّدِيدُ إلى اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، وأمّا المَيْلُ إلى طَلَبِ اللَّذّاتِ الرُّوحانِيَّةِ فَذاكَ لا يَحْصُلُ إلّا لِلشَّخْصِ النّادِرِ، ثُمَّ حُصُولُهُ لِذَلِكَ النّادِرِ لا يَتَّفِقُ إلّا في أوْقاتٍ نادِرَةٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ عَمَّ اللَّهُ هَذا الحُكْمَ فَقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ .