Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولَمّا ثَبَتَ بِالبَراهِينِ الباهِرَةِ القاهِرَةِ أنَّهُ لا رَحِيمَ إلّا هو، ولا كَرِيمَ إلّا هو، لا جَرَمَ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعَقْلِ والقَلْبِ والرُّوحِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لا يَحْصُلُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ، ولَمّا كانَ هَذا المَطْلُوبُ في غايَةِ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ لا جَرَمَ ذَكَرَها عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أطْلُبُ رَحْمَةً وأيَّةُ رَحْمَةٍ، أطْلُبُ رَحْمَةً مِن لَدُنْكَ، وتَلِيقُ بِكَ؛ وذَلِكَ يُوجِبُ غايَةَ العَظَمَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: إلَهِي هَذا الَّذِي طَلَبْتُهُ مِنكَ في هَذا الدُّعاءِ عَظِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ، لَكِنَّهُ حَقِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَمالِ كَرَمِكَ، وغايَةِ جُودِكَ ورَحْمَتِكَ، فَأنْتَ الوَهّابُ الَّذِي مِن هِبَتِكَ حَصَلَتْ حَقائِقُ الأشْياءِ وذَواتُها وماهِيّاتُها ووُجُوداتُها فَكُلُّ ما سِواكَ فَمِن جُودِكَ وإحْسانِكَ وكَرَمِكَ، يا دائِمَ المَعْرُوفِ، يا قَدِيمَ الإحْسانِ، لا تُخَيِّبْ رَجاءَ هَذا المِسْكِينِ، ولا تَرُدَّ دُعاءَهُ، واجْعَلْهُ بِفَضْلِكَ أهْلًا لِرَحْمَتِكَ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ وأكْرَمَ الأكْرَمِينَ.