Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: وهو أنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ طَلَبَ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ مَذْمُومٌ، حَيْثُ قالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ولَوْ كانَ طَلَبُ تَأْوِيلِ المُتَشابِهِ جائِزًا لَما ذَمَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ طَلَبَ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وأيْضًا طَلَبَ مَقادِيرِ الثَّوابِ والعِقابِ، وطَلَبَ ظُهُورِ الفَتْحِ والنُّصْرَةِ كَما قالُوا ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧] .
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمّا قَسَّمَ الكِتابَ إلى قِسْمَيْنِ مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، ودَلَّ العَقْلُ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ القِسْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى مَعْناهُ الرّاجِحِ هو المُحْكَمُ، وحَمْلَهُ عَلى مَعْناهُ الَّذِي لَيْسَ بِراجِحٍ هو المُتَشابِهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّ طَرِيقَةَ مَن طَلَبَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ كانَ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِبَعْضِ المُتَشابِهاتِ دُونَ البَعْضِ تَرْكًا لِلظّاهِرِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ مَدَحَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ بِأنَّهم يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] فَهَؤُلاءِ الرّاسِخُونَ لَوْ كانُوا عالِمِينَ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ