Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٥٢
قُلْنا بِأنَّ صُدُورَ الفِعْلِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ عَنِ العَبْدِ لا يَدُلُّ عَلى عِلْمِ فاعِلِهِ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ تَخَصَّصَ ذَلِكَ العَدَدُ بِالوُقُوعِ دُونَ الأزْيَدِ والأنْقَصِ لا لِمُخَصَّصٍ، وذَلِكَ نَفْيٌ لِلصّانِعِ، ولَزِمَ مِنهُ أيْضًا أنْ لا يَدُلَّ صُدُورُ الفِعْلِ المُحْكَمِ عَلى كَوْنِ الفاعِلِ عالِمًا وحِينَئِذٍ يَنْسَدُّ بابُ الِاسْتِدْلالِ بِأحْكامِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى كَوْنِ فاعِلِها عالِمًا، ولَوْ أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ اجْتَمَعُوا عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى دَفْعِها، فَإذا لاحَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ الباهِرَةُ فَكَيْفَ يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يُسَمِّيَ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القَضاءِ والقَدَرَ بِالمُتَشابِهَةِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْناهُ أنَّ القانُونَ المُسْتَمِرَّ عِنْدَ جُمْهُورِ النّاسِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ تُوافِقُ مَذْهَبَهم فَهي المُحْكَمَةُ وكُلَّ آيَةٍ تُخالِفُهم فَهي المُتَشابِهَةُ.
وأمّا المُحَقِّقُ المُنْصِفُ، فَإنَّهُ يَحْمِلُ الأمْرَ في الآياتِ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ:
أحَدُها: ما يَتَأكَّدُ ظاهِرُها بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، فَذاكَ هو المُحْكَمُ حَقًّا.
وثانِيها: الَّذِي قامَتِ الدَّلائِلُ القاطِعَةُ عَلى امْتِناعِ ظَواهِرِها، فَذاكَ هو الَّذِي يُحْكَمُ فِيهِ بِأنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ ظاهِرِهِ.