Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الرّابِعُ: لَمّا كانَ القُرْآنُ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ، افْتَقَرُوا إلى تَعَلُّمِ طُرُقِ التَّأْوِيلاتِ وتَرْجِيحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وافْتَقَرَ تَعَلُّمُ ذَلِكَ إلى تَحْصِيلِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ مِن عِلْمِ اللُّغَةِ والنَّحْوِ وعِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ ما كانَ يَحْتاجُ الإنْسانُ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ العُلُومِ الكَثِيرَةِ، فَكانَ إيرادُ هَذِهِ المُتَشابِهاتِ لِأجْلِ هَذِهِ الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: وهو السَّبَبُ الأقْوى في هَذا البابِ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى دَعْوَةِ الخَواصِّ والعَوامِّ بِالكُلِّيَّةِ، وطَبائِعُ العَوامِّ تَنْبُو في أكْثَرِ الأمْرِ عَنْ إدْراكِ الحَقائِقِ، فَمَن سَمِعَ مِنَ العَوامِّ في أوَّلِ الأمْرِ إثْباتَ مَوْجُودٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِمُتَحَيِّزٍ ولا مُشارٍ إلَيْهِ، ظَنَّ أنَّ هَذا عَدَمٌ ونَفْيٌ فَوَقَعَ في التَّعْطِيلِ، فَكانَ الأصْلَحُ أنْ يُخاطَبُوا بِألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى بَعْضِ ما يُناسِبُ ما يَتَوَهَّمُونَهُ ويَتَخَيَّلُونَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَخْلُوطًا بِما يَدُلُّ عَلى الحَقِّ الصَّرِيحِ، فالقِسْمُ الأوَّلُ وهو الَّذِي يُخاطَبُونَ بِهِ في أوَّلِ الأمْرِ يَكُونُ مِن بابِ المُتَشابِهاتِ، والقِسْمُ الثّانِي وهو الَّذِي يُكْشَفُ لَهم في آخِرِ الأمْرِ هو المُحْكَماتُ، فَهَذا ما حَضَرَنا في هَذا البابِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ المَباحِثَ فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ.