Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: لَوْ كانَ القُرْآنُ مُحْكَمًا بِالكُلِّيَّةِ لَما كانَ مُطابِقًا إلّا لِمَذْهَبٍ واحِدٍ، وكانَ تَصْرِيحُهُ مُبْطِلًا لِكُلِّ ما سِوى ذَلِكَ المَذْهَبِ، وذَلِكَ مِمّا يُنَفِّرُ أرْبابَ المَذاهِبِ عَنْ قَبُولِهِ وعَنِ النَّظَرِ فِيهِ، فالِانْتِفاعُ بِهِ إنَّما حَصَلَ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ وعَلى المُتَشابِهِ، فَحِينَئِذٍ يَطْمَعُ صاحِبُ كُلِّ مَذْهَبٍ أنْ يَجِدَ فِيهِ ما يُقَوِّي مَذْهَبَهُ، ويُؤْثِرُ مَقالَتَهُ، فَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ فِيهِ جَمِيعُ أرْبابِ المَذاهِبِ، ويَجْتَهِدُ في التَّأمُّلِ فِيهِ كُلُّ صاحِبِ مَذْهَبٍ، فَإذا بالَغُوا في ذَلِكَ صارَتِ المُحْكَماتُ مُفَسِّرَةً لِلْمُتَشابِهاتِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يَتَخَلَّصُ المُبْطِلُ عَنْ باطِلِهِ ويَصِلُ إلى الحَقِّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ القُرْآنَ إذا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ افْتَقَرَ النّاظِرُ فِيهِ إلى الِاسْتِعانَةِ بِدَلِيلِ العَقْلِ، وحِينَئِذٍ يَتَخَلَّصُ عَنْ ظُلْمَةِ التَّقْلِيدِ، ويَصِلُ إلى ضِياءِ الِاسْتِدْلالِ والبَيِّنَةِ، أمّا لَوْ كانَ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَمْ يَفْتَقِرْ إلى التَّمَسُّكِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ فَحِينَئِذٍ كانَ يَبْقى في الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ.