Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:286
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الجَوابُ: أنَّ العَفْوَ أنْ يُسْقِطَ عَنْهُ العِقابَ، والمَغْفِرَةَ أنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ جُرْمَهُ صَوْنًا لَهُ مِن عَذابِ التَّخْجِيلِ والفَضِيحَةِ، كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: أطْلُبُ مِنكَ العَفْوَ وإذا عَفَوْتَ عَنِّي فاسْتُرْهُ عَلَيَّ فَإنَّ الخَلاصَ مِن عَذابِ القَبْرِ إنَّما يَطِيبُ إذا حَصَلَ عَقِيبَهُ الخَلاصُ مِن عَذابِ الفَضِيحَةِ، والأوَّلُ: هو العَذابُ الجُسْمانِيُّ، والثّانِي: هو العَذابُ الرُّوحانِيُّ، فَلَمّا تَخَلَّصَ مِنهُما أقْبَلَ عَلى طَلَبِ الثَّوابِ، وهو أيْضًا قِسْمانِ: ثَوابٌ جُسْمانِيٌّ وهو نَعِيمُ الجَنَّةِ ولَذّاتُها وطَيِّباتُها، وثَوابٌ رُوحانِيٌّ وغايَتُهُ أنْ يَتَجَلّى لَهُ نُورُ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْكَشِفَ لَهُ بِقَدْرِ الطّاقَةِ عُلُوُّ كِبْرِياءِ اللَّهِ وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرَ غائِبًا عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، مُسْتَغْرِقًا بِالكُلِّيَّةِ في نُورِ حُضُورِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ (وارْحَمْنا) طَلَبٌ لِلثَّوابِ الجُسْمانِيِّ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ طَلَبٌ لِلثَّوابِ الرُّوحانِيِّ، ولِأنْ يَصِيرَ العَبْدُ مُقْبِلًا بِكُلِّيَّتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ، ولَعَلَّ كَثِيرًا مِنَ
صفحة ١٣١
المُتَكَلِّمِينَ يَسْتَبْعِدُونَ هَذِهِ الكَلِماتِ، ويَقُولُونَ: إنَّها مِن بابِ الطّاعاتِ، ولَقَدْ صَدَقُوا فِيما يَقُولُونَ، فَذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] .