Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:286
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنّا بَيَّنّا أنَّ الطّاقَةَ هي الإطاقَةُ والقُدْرَةُ، فَقَوْلُهُ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ ظاهِرُهُ لا تُحَمِّلْنا ما لا قُدْرَةَ لَنا عَلَيْهِ أقْصى ما في البابِ أنَّهُ جاءَ هَذا اللَّفْظُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ في بَعْضِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمالِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ إلّا أنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى الحَقِيقَةِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: فَجَوابُهُ أنَّ التَّحَمُّلَ مَخْصُوصٌ في عُرْفِ القُرْآنِ بِالتَّكْلِيفِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ثُمَّ هَبْ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذا العُرْفُ إلّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ عامٌّ في العَذابِ وفي التَّكْلِيفِ فَوَجَبَ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ أمّا التَّخْصِيصُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: فَجَوابُهُ أنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ إذا كانَ مُمْتَنِعًا لَمْ يَجُزْ طَلَبُ الِامْتِناعِ مِنهُ عَلى سَبِيلِ الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، ويَصِيرُ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى مَن يَقُولُ في دُعائِهِ وتَضَرُّعِهِ: رَبَّنا لا تَجْمَعْ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ ولا تَقْلِبِ القَدِيمَ مُحْدَثًا، كَما أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَكَذا ما ذَكَرْتُمْ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذا هو الأصْلُ فَإذا صارَ ذَلِكَ مَتْرُوكًا في بَعْضِ الصُّوَرِ لِدَلِيلٍ مُفَصَّلٍ لَمْ يَجِبْ تَرْكُهُ في سائِرِ الصُّوَرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
* * *