Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:286
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إنَّكَ إنْ كَلَّفْتَنِي ما لَمْ أُطِقْ ساءَكَ ما سَرَّكَ مِنِّي مِن خُلُقْ
.
وفِي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في المَمْلُوكِ: ”«لَهُ طَعامُهُ وكُسْوَتُهُ ولا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُ» “ أيْ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ.
ورَوى عِمْرانُ بْنُ الحُصَيْنِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”«المَرِيضُ يُصَلِّي جالِسًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ» “، فَقَوْلُهُ: فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ لَيْسَ مَعْناهُ عَدَمَ القُوَّةِ عَلى الجُلُوسِ، بَلْ كُلُّ الفُقَهاءِ يَقُولُونَ: المُرادُ مِنهُ إذا كانَ يَلْحَقُهُ في الجُلُوسِ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ اللَّهُ تَعالى في وصْفِ الكُفّارِ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] أيْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: لا تُكَلِّفْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ، بَلْ قالَ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ والتَّحْمِيلُ هو أنْ يَضَعَ عَلَيْهِ ما لا طاقَةَ لَهُ بِهِ بِتَحَمُّلِهِ فَيَكُونَ المُرادُ مِنهُ العَذابَ والمَعْنى لا تُحَمِّلْنا عَذابَكَ الَّذِي لا نُطِيقُ احْتِمالَهُ فَلَوْ حَمَلْنا الآيَةَ عَلى ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا﴾ حَقِيقَةً فِيهِ ولَوْ حَمَلْناهُ عَلى التَّكْلِيفِ كانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُحَمِّلْنا﴾ مَجازًا فِيهِ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.
صفحة ١٢٩