Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:286
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الدُّعاءِ إظْهارُ التَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ تَعالى، لا طَلَبُ الفِعْلِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الدّاعِيَ كَثِيرًا ما يَدْعُو بِما يَقْطَعُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُهُ سَواءٌ دَعا أوْ لَمْ يَدْعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢] وقالَ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وقالَتِ المَلائِكَةُ في دُعائِهِمْ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ العِلْمُ بِأنَّ النِّسْيانَ مَغْفُورٌ لا يَمْنَعُ مِن حُسْنِ طَلَبِهِ في الدُّعاءِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: أنَّ مُؤاخَذَةَ النّاسِي غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ عَقْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ بَعْدَ النِّسْيانِ يَكُونُ مُؤاخَذًا فَإنَّهُ بِخَوْفِ المُؤاخَذَةِ يَسْتَدِيمُ الذِّكْرُ، فَحِينَئِذٍ لا يَصْدُرُ عَنْهُ إلّا أنَّ اسْتِدامَةَ ذَلِكَ التَّذَكُّرِ فِعْلٌ شاقٌّ عَلى النَّفْسِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ جائِزًا في العُقُولِ، لا جَرَمَ حَسُنَ طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنهُ بِالدُّعاءِ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ أصْحابَنا الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ يَتَمَسَّكُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: النّاسِي غَيْرُ قادِرٍ عَلى الِاحْتِرازِ عَنِ الفِعْلِ، فَلَوْلا أنَّهُ جائِزٌ عَقْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُعاقِبَ عَلَيْهِ لَما طَلَبَ بِالدُّعاءِ تَرْكَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِ.