Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:286
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقُرْآنُ أيْضًا ناطِقٌ بِذَلِكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وقالَ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقالَ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١]، وقالَ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فَدَلَّ هَذا عَلى إقامَةِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَقامَ الآخَرِ، ومِنَ النّاسِ مَن سَلَّمَ الفَرْقَ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاكْتِسابَ أخَصُّ مِنَ الكَسْبِ؛ لِأنَّ الكَسْبَ يَنْقَسِمُ إلى كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ، والِاكْتِسابُ لا يَكُونُ إلّا ما يَكْتَسِبُ الإنْسانُ لِنَفْسِهِ
صفحة ١٢٤
خاصَّةً، يُقالُ: فُلانٌ كاسِبٌ لِأهْلِهِ، ولا يُقالُ: مُكْتَسِبٌ لِأهْلِهِ، والثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّما خُصَّ الخَيْرُ بِالكَسْبِ، والشَّرُّ بِالِاكْتِسابِ؛ لِأنَّ الِاكْتِسابَ اعْتِمالٌ، فَلَمّا كانَ الشَّرُّ مِمّا تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، وهي مُنْجَذِبَةٌ إلَيْهِ، وأمّارَةٌ بِهِ كانَتْ في تَحْصِيلِهِ أعْمَلَ وأجَدَّ، فَجُعِلَتْ لِهَذا المَعْنى مُكْتَسِبَةً فِيهِ ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في بابِ الخَيْرِ وُصِفَتْ بِما لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الِاعْتِمالِ واللَّهُ أعْلَمُ.