Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: رُوِيَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”«إنَّ لِلَّهِ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ الرَّحْمَةِ قَسَّمَ جُزْءًا واحِدًا مِنها عَلى المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الحَيَواناتِ، فَبِها يَتَراحَمُونَ، وادَّخَرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ جُزْءًا لِيَوْمِ القِيامَةِ» “ فَأظُنُّ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: (غُفْرانَكَ) هو ذَلِكَ الغُفْرانُ الكَبِيرُ، كانَ العَبْدُ يَقُولُ: هَبْ أنَّ جُرْمِي كَبِيرٌ لَكِنَّ غُفْرانَكَ أعْظَمُ مِن جُرْمِي.
وثالِثُها: كَأنَّ العَبْدَ يَقُولُ: كُلُّ صِفَةٍ مِن صِفاتِ جَلالِكَ وإلاهِيَّتِكَ، فَإنَّما يَظْهَرُ أثَرُها في مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، فَلَوْلا الوُجُودُ بَعْدَ العَدَمِ لَما ظَهَرَتْ آثارُ قُدْرَتِكَ، ولَوْلا التَّرْتِيبُ العَجِيبُ والتَّأْلِيفُ الأنِيقُ لَما ظَهَرَتْ آثارُ عِلْمِكَ، فَكَذا لَوْلا جُرْمُ العَبْدِ وجِنايَتُهُ، وعَجْزُهُ وحاجَتُهُ، لَما ظَهَرَتْ آثارُ غُفْرانِكَ، فَقَوْلُهُ: (غُفْرانَكَ) مَعْناهُ طَلَبُ الغُفْرانِ الَّذِي لا يُمْكِنُ ظُهُورُ أثَرِهِ إلّا في حَقِّي، وفي حَقِّ أمْثالِي مِنَ المُجْرِمِينَ.
وأمّا القَيْدُ الثّانِي: وهو قَوْلُهُ: (رَبَّنا) فَفِيهِ فَوائِدُ:
أوَّلُها: رَبَّيْتَنِي حِينَ ما لَمْ أذْكُرْكَ بِالتَّوْحِيدِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَرَمِكَ أنْ لا تُرَبِّيَنِي عِنْدَما أفْنَيْتُ عُمْرِي في تَوْحِيدِكَ.