Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إيمانَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ وصَفَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَقُولُونَ: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَقَوْلُهُ: (سَمِعْنا) لَيْسَ المُرادُ مِنهُ السَّماعَ الظّاهِرَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ المَدْحَ، بَلِ المُرادُ أنّا سَمِعْناهُ بِآذانِ عُقُولِنا، أيْ عَقَلْناهُ وعَلِمْنا صِحَّتَهُ، وتَيَقَّنّا أنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ ورَدَ عَلى لِسانِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْنا فَهو حَقٌّ صَحِيحٌ واجِبُ القَبُولِ، والسَّمْعُ بِمَعْنى القَبُولِ والفَهْمِ وارِدٌ في القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] والمَعْنى: لِمَن سَمِعَ الذِّكْرى بِفَهْمٍ حاضِرٍ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ [لقمان: ٧] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ (وأطَعْنا) فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ كَما صَحَّ اعْتِقادُهم في هَذِهِ التَّكالِيفِ فَهم ما أخَلُّوا بِشَيْءٍ مِنها فَجَمَعَ اللَّهُ تَعالى بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ بِأبْوابِ التَّكْلِيفِ عِلْمًا وعَمَلًا.
* * *
ثُمَّ حَكىَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم قالُوا ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا قَبِلُوا التَّكالِيفَ وعَمِلُوا بِها، فَأيُّ حاجَةٍ بِهِمْ إلى طَلَبِهِمُ المَغْفِرَةَ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ: