Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا عِلْمُ المَعادِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢] أيْ فَيَوْمُكَ غَدًا سَيَصِلُ فِيهِ نَتائِجُ أعْمالِكَ إلَيْكَ، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَمالِ ما يَبْحَثُ عَنْهُ في هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ، ونَظِيرُها أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ الوَسَطِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٢] وهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ عَلى ما قالَ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠٠].
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: تَعْرِيفُ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ مَذْكُورٌ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ الوَسَطِ، وهو مَعْرِفَةُ الأحْوالِ الَّتِي يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عالِمًا مُشْتَغِلًا بِها، ما دامَ يَكُونُ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ إشارَةٌ إلى عِلْمِ المَعادِ، والوُقُوفُ عَلى هَذِهِ الأسْرارِ يُنَوِّرُ القَلْبَ ويَجْذِبُهُ مِن ضِيقِ عالَمِ الأجْسامِ إلى فُسْحَةِ عالِمِ الأفْلاكِ، وأنْوارِ بَهْجَةِ السَّماواتِ.