Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأمْسُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِمَعْرِفَةِ المَبْدَأِ، واليَوْمُ الحاضِرُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِعِلْمِ الوَسَطِ، والغَدُ والبَحْثُ عَنْهُ يُسَمّى بِعِلْمِ المَعادِ. والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى رِعايَةِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ قالَ في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ ولَمّا كانَتِ الكَمالاتُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ إلّا العِلْمَ والقُدْرَةَ، لا جَرَمَ ذَكَرَها في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ القُدْرَةِ، فَهَذا هو الإشارَةُ إلى عِلْمِ المَبْدَأِ، وأمّا عِلْمُ الوَسَطِ وهو عِلْمُ ما يَجِبُ اليَوْمَ أنْ يَشْتَغِلَ بِهِ، فَلَهُ أيْضًا مَرْتَبَتانِ:
البِدايَةُ والنِّهايَةُ، أمّا البِدايَةُ فالِاشْتِغالُ بِالعُبُودِيَّةِ، وأمّا النِّهايَةُ فَقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ، وتَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالتَّوَكُّلِ، فَذَكَرَ هَذَيْنِ المَقامَيْنِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] .