Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَنَقُولُ: قَدْ عَلَّقْتَ حَرَكَتَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِحَرَكَتِكَ، وسُكُونَكَ بِمَشِيئَتِكَ لِسُكُونِكَ، فَقَبْلَ حُصُولِ مَشِيئَةِ الحَرَكَةِ لا تَتَحَرَّكُ وقَبْلَ حُصُولِ مَشِيئَةِ السُّكُونِ لا تَسْكُنُ، وعِنْدَ حُصُولِ مَشِيئَةِ الحَرَكَةِ لا بُدَّ وأنْ تَتَحَرَّكَ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ المَشِيئَةُ كَيْفَ حَدَثَتْ فَإنَّ حُدُوثَها إمّا أنْ يَكُونَ لا بِمُحْدِثٍ أصْلًا أوْ يَكُونَ بِمُحْدِثٍ، ثُمَّ ذَلِكَ المُحْدِثُ إمّا أنْ يَكُونَ هو العَبْدَ أوِ اللَّهَ تَعالى، فَإنْ حَدَثَتْ لا بِمُحْدِثٍ فَقَدْ لَزِمَ نَفْيُ الصّانِعِ، وإنْ كانَ مُحْدِثُها هو العَبْدَ افْتَقَرَ في إحْداثِها إلى مَشِيئَةٍ أُخْرى ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ أنَّ مُحْدِثَها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا اخْتِيارَ لِلْإنْسانِ في حُدُوثِ تِلْكَ المَشِيئَةِ، وبَعْدَ حُدُوثِها فَلا اخْتِيارَ لَهُ في تَرَتُّبِ الفِعْلِ عَلَيْها إلّا بِالمَشِيئَةِ بِهِ، ولا حُصُولَ لِلْفِعْلِ بَعْدَ المَشِيئَةِ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَهَذا كَلامٌ قاهِرٌ قَوِيٌّ، وفي مُعارَضَتِهِ إشْكالانِ أحَدُهُما: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيجادُ هَذِهِ القَبائِحِ والفَواحِشِ مِنَ الكُفْرِ والفِسْقِ ؟ والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ الكُلُّ بِتَخْلِيقِهِ فَكَيْفَ تَوَجَّهَ الأمْرُ والنَّهْيُ، والمَدْحُ والذَّمُّ،
صفحة ١١٥