Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:285
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الصِّفاتُ الثُّبُوتِيَّةُ: فَبِأنْ يَعْلَمَ أنَّ المُوجِبَ لِذاتِهِ نِسْبَتُهُ إلى بَعْضِ المُمْكِناتِ كَنِسْبَتِهِ إلى البَواقِي، فَلَمّا رَأيْنا أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ وقَعَتْ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ وُقُوعُها عَلى خِلافِ تِلْكَ الأحْوالِ، عَلِمْنا أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها قادِرٌ مُخْتارٌ لا مُوجِبٌ بِالذّاتِ، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ بِما في أفْعالِهِ مِنَ الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُهُ قادِرًا عالِمًا حَيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا مَوْصُوفًا مَنعُوتًا بِالجَلالِ وصِفاتِ الكَمالِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وأمّا الإيمانُ بِأفْعالِهِ، فَبِأنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَهو مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ، وتَعْلَمَ بِبَدِيهَةِ عَقْلِكَ أنَّ المُمْكِنَ المُحْدِثَ لا يُوجَدُ بِذاتِهِ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ يُوجِدُهُ وهو القَدِيمُ، وهَذا الدَّلِيلُ يَحْمِلُكَ عَلى أنْ تَجْزِمَ بِأنَّ كُلَّ ما سِواهُ فَإنَّما حَصَلَ بِتَخْلِيقِهِ وإيجادِهِ وتَكْوِينِهِ إلّا أنَّهُ وقَعَ في البَيْنِ عُقْدَةٌ وهي الحَوادِثُ الَّتِي هي الأفْعالُ الِاخْتِيارِيَّةُ لِلْحَيَواناتِ، فالحُكْمُ الأوَّلُ وهو أنَّها مُمْكِنَةٌ مُحْدَثَةٌ فَلا بُدَّ مِن إسْنادِها إلى واجِبِ الوُجُودِ مُطَّرِدٌ فِيها.
فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ مِن نَفْسِي أنِّي إنْ شِئْتُ أنْ أتَحَرَّكَ تَحَرَّكْتُ، وإنْ شِئْتُ أنْ لا أتَحَرَّكَ لَمْ أتَحَرَّكْ فَكانَتْ حَرَكاتِي وسَكَناتِي بِي لا بِغَيْرِي.