Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:284
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ كُلَّ ما كانَ في القَلْبِ مِمّا لا يَدْخُلُ في العَمَلِ، فَهو في مَحَلِّ العَفْوِ وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ فالمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يُدْخِلُ ذَلِكَ العَمَلَ في الوُجُودِ إمّا ظاهِرًا وإمّا عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ، وأمّا ما وُجِدَ في القَلْبِ مِنَ العَزائِمِ والإراداتِ ولَمْ يَتَّصِلْ بِالعَمَلِ فَكُلُّ ذَلِكَ في مَحَلِّ العَفْوِ. وهَذا الجَوابُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ المُؤاخِذاتِ إنَّما تَكُونُ بِأفْعالِ القُلُوبِ، ألا تَرى أنَّ اعْتِقادَ الكُفْرِ والبِدَعِ لَيْسَ إلّا مِن أعْمالِ القُلُوبِ، وأعْظَمُ أنْواعِ العِقابِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وأيْضًا فَأفْعالُ الجَوارِحِ إذا خَلَتْ عَنْ أفْعالِ القُلُوبِ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها عِقابٌ كَأفْعالِ النّائِمِ والسّاهِي فَثَبَتَ ضَعْفُ هَذا الجَوابِ.
والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤاخِذُهُ بِها لَكِنْ مُؤاخَذَتُها هي الغُمُومُ والهُمُومُ في الدُّنْيا، رَوى الضَّحّاكُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: ما حَدَّثَ العَبْدُ بِهِ نَفْسَهُ مِن شَرٍّ كانَتْ مُحاسَبَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِغَمٍّ يَبْتَلِيهِ بِهِ في الدُّنْيا أوْ حُزْنٍ أوْ أذًى، فَإذا جاءَتِ الآخِرَةُ لَمْ يُسْألْ عَنْهُ ولَمْ يُعاقَبْ عَلَيْهِ، ورَوَتْ أنَّها سَألَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَأجابَها بِما هَذا مَعْناهُ.
فَإنْ قِيلَ: المُؤاخَذَةُ كَيْفَ تَحْصُلُ في الدُّنْيا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧].