Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:282
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: شَرائِطُ الشَّهادَةِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ونَذْكُرُ هَهُنا مَسْألَةً واحِدَةً: وهي أنَّ عِنْدَ شُرَيْحٍ وابْنِ سِيرِينَ وأحْمَدَ تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لا تَجُوزُ، حُجَّةُ شُرَيْحٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ﴾ عامٌّ يَتَناوَلُ العَبِيدَ وغَيْرَهم، والمَعْنى المُسْتَفادُ مِنَ النَّصِّ أيْضًا دالٌّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ عَقْلَ الإنْسانِ ودِينَهُ وعَدالَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ، فَإذا شَهِدَ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الشَّرائِطِ تَأكَّدَ بِهِ قَوْلُ المُدَّعِي، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا في إحْياءِ حَقِّهِ، والعَقْلُ والدِّينُ والعَدالَةُ لا تَخْتَلِفُ بِسَبِبِ
صفحة ٩٩
الحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ العَبِيدِ مَقْبُولَةً. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن كانَ شاهِدًا الذَّهابُ إلى مَوْضِعِ أداءِ الشَّهادَةِ، ويَحْرُمُ عَلَيْهِ عَدَمُ الذَّهابِ إلى أداءِ الشَّهادَةِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ شاهِدًا وجَبَ عَلَيْهِ الذَّهابُ والإجْماعُ دَلَّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهابُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ شاهِدًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ حَسَنٌ.
* * *