Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:282
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ولا يَكْمُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ المالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لِأجْلِ هَذِهِ الدَّقِيقَةِ بالَغَ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ عَنْ وُجُوهِ التَّوى والتَّلَفِ، وقَدْ ورَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ [ النِّساءِ: ٥] فَحَثَّ عَلى الِاحْتِياطِ في أمْرِ الأمْوالِ لِكَوْنِها سَبَبًا لِمَصالِحِ المَعاشِ والمَعادِ، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: والَّذِي يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ جارِيَةٌ في الأكْثَرِ عَلى الِاخْتِصارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بَسْطٌ شَدِيدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾، ثُمَّ قالَ ثالِثًا: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، فَكانَ هَذا كالتَّكْرارِ لِقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾؛ لِأنَّ العَدْلَ هو ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ رابِعًا: (فَلْيَكْتُبْ) وهَذا إعادَةُ الأمْرِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ خامِسًا: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ كِفايَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِأنَّ الكاتِبَ بِالعَدْلِ إنَّما يَكْتُبُ ما يُمْلى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ سادِسًا: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وهَذا تَأْكِيدٌ، ثُمَّ قالَ سابِعًا: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ فَهَذا كالمُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، ثُمَّ قالَ ثامِنًا: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إلى أجَلِهِ﴾ وهو أيْضًا تَأْكِيدٌ لِما مَضى، ثُمَّ قالَ تاسِعًا: ﴿ذَلِكم أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ فَذَكَرَ هَذِهِ الفَوائِدَ الثَّلاثَةَ لِتِلْكَ التَّأْكِيداتِ السّالِفَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا حَثَّ عَلى ما يَجْرِي مَجْرى سَبَبِ تَنْقِيصِ المالِ في الحُكْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ بالَغَ في هَذا الحُكْمِ في الوَصِيَّةِ بِحِفْظِ المالِ الحَلالِ، وصَوْنِهِ عَنِ الهَلاكِ والبَوارِ، لِيَتَمَكَّنَ الإنْسانُ بِواسِطَتِهِ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والإعْراضِ عَنْ مَساخِطِ اللَّهِ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ، والمُواظَبَةِ عَلى تَقْوى اللَّهِ فَهَذا هو الوَجْهُ الأوَّلُ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ، وهو حَسَنٌ لَطِيفٌ.