Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:280-281
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنِّي حِينَ كُنْتُ مُقِيمًا بِخُوارَزْمَ، وكانَ هُناكَ جَمْعٌ مِن أكابِرِ الأُدَباءِ، أوْرَدْتُ عَلَيْهِمْ إشْكالًا في هَذا البابِ، فَقُلْتُ: إنَّكم تَقُولُونَ إنَّ ”كانَ“ إذا كانَتْ ناقِصَةً إنَّها تَكُونُ فِعْلًا وهَذا مُحالٌ؛ لِأنَّ الفِعْلَ ما دَلَّ عَلى اقْتِرانِ حَدَثٍ بِزَمانٍ، فَقَوْلُكَ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ مَعْنى الكَوْنِ في الزَّمانِ الماضِي، وإذا أفادَ هَذا المَعْنى كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، فَهَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّها إنْ كانَتْ فِعْلًا كانَتْ تامَّةً لا ناقِصَةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ تامَّةً لَمْ تَكُنْ فِعْلًا البَتَّةَ بَلْ كانَتْ حَرْفًا، وأنْتُمْ تُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَبَقُوا في هَذا الإشْكالِ زَمانًا طَوِيلًا، وصَنَّفُوا في الجَوابِ عَنْهُ كُتُبًا، وما أفْلَحُوا فِيهِ ثُمَّ انْكَشَفَ لِي فِيهِ سِرٌّ أذْكُرُهُ هَهُنا وهو أنَّ كانَ لا مَعْنى لَهُ إلّا حَدَثَ ووَقَعَ ووُجِدَ، إلّا أنَّ قَوْلَكَ وُجِدَ وحَدَثَ عَلى قِسْمَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ الشَّيْءُ كَقَوْلِكَ: وُجِدَ الجَوْهَرُ وحَدَثَ العَرَضُ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وُجِدَ وحَدَثَ مَوْصُوفِيَّةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، فَإذا قُلْتَ: كانَ زَيْدٌ عالِمًا فَمَعْناهُ حَدَثَ في الزَّمانِ الماضِي مَوْصُوفِيَّةُ زَيْدٍ بِالعِلْمِ، والقِسْمُ الأوَّلُ هو المُسَمّى بَكانِ التّامَّةِ، والقِسْمُ الثّانِي هو المُسَمّى بِالنّاقِصَةِ، وفي الحَقِيقَةِ فالمَفْهُومُ مِن ”كانَ“ في المَوْضِعَيْنِ هو الحُدُوثُ والوُقُوعُ، إلّا أنَّ في القِسْمِ الأوَّلِ المُرادِ حُدُوثُ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، فَلا جَرَمَ كانَ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، والمُرادُ في القِسْمِ الثّانِي حُدُوثُ مَوْصُوفِيَّةُ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ، فَلا جَرَمَ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ الواحِدُ كافِيًا، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِن ذِكْرِ الِاسْمَيْنِ