Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:275
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ مِنَ المُجْمَلاتِ الَّتِي لا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِها، وهَذا هو المُخْتارُ عِنْدِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ الِاسْمَ المُفْرَدَ المُحَلّى بِلامِ التَّعْرِيفِ لا يُفِيدُ العُمُومَ البَتَّةَ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ إلّا تَعْرِيفُ الماهِيَّةِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كَفى العَمَلُ بِهِ في ثُبُوتِ حُكْمِهِ في صُورَةٍ واحِدَةٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو أنّا إذا سَلَّمْنا أنَّهُ يُفِيدُ العُمُومَ، ولَكِنّا لا نَشُكُّ أنَّ إفادَتَهُ العُمُومَ أضْعَفُ مِن إفادَةِ ألْفاظِ الجَمْعِ لِلْعُمُومِ، مَثَلًا قَوْلُهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ وإنْ أفادَ الِاسْتِغْراقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعاتِ أقْوى في إفادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ﴾ لا يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ إلّا إفادَةً ضَعِيفَةً، ثُمَّ تَقْدِيرُ العُمُومِ لا بُدَّ وأنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْها تَخْصِيصاتٌ كَثِيرَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الحَصْرِ والضَّبْطِ، ومِثْلُ هَذا العُمُومِ لا يَلِيقُ بِكَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ رَسُولِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ والكَذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَأمّا العامُّ الَّذِي يَكُونُ مَوْضِعُ التَّخْصِيصِ مِنهُ قَلِيلًا جِدًّا فَذَلِكَ جائِزٌ؛ لِأنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الِاسْتِغْراقِ عَلى الأغْلَبِ عُرْفٌ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، فَثَبَتَ أنَّ حَمْلَ هَذا عَلى العُمُومِ غَيْرُ جائِزٍ.