Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:275
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ صَرِيحٌ في أنَّ العِلَّةَ لِذَلِكَ التَّخَبُّطِ هو هَذا القَوْلُ والِاعْتِقادُ فَقَطْ، وعِنْدَ هَذا يَجِبُ تَأْوِيلُ مُقَدِّمَةِ الآيَةِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأكْلِ نَفْسَ الأكْلِ، وذَكَرْنا عَلَيْهِ وُجُوهًا مِنَ الدَّلائِلِ، فَأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى التَّصَرُّفِ في الرِّبا، ونَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلى اسْتِحْلالِ الرِّبا واسْتَطابَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأكْلَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الِاسْتِحْلالِ، يُقالُ: فُلانٌ يَأْكُلُ مالَ اللَّهِ قَضْمًا خَضْمًا، أيْ: يَسْتَحِلُّ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وإذا حَمَلْنا الأكْلَ عَلى الِاسْتِحْلالِ، صارَتْ مُقَدِّمَةُ الآيَةِ مُطابِقَةً لِمُؤَخِّرَتِها، فَهَذا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ، إلّا أنَّ جُمْهُورَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا الآيَةَ عَلى وعِيدِ مَن يَتَصَرَّفُ في مالِ الرِّبا، لا عَلى وعِيدِ مَن يَسْتَحِلُّ هَذا العَقْدَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ، وذَلِكَ لِأنَّ حِلَّ البَيْعِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَهم أرادُوا أنْ يَقِيسُوا عَلَيْهِ الرِّبا، ومِن حَقِّ القِياسِ أنْ يُشَبَّهَ مَحَلُّ الخِلافِ بِمَحَلِّ الوِفاقِ، فَكانَ نَظْمُ الآيَةِ أنْ يُقالَ: إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ، فَما الحِكْمَةُ في أنْ قَلَبَ هَذِهِ القَضِيَّةَ، فَقالَ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ؟