Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:273
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ السّادِسُ: وهو أيْضًا خَطَرَ بِبالِي في هَذا الوَقْتِ، وهو أنَّ مَن أظْهَرَ مِن نَفْسِهِ آثارَ الفَقْرِ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، ثُمَّ سَكَتَ عَنِ السُّؤالِ، فَكَأنَّهُ أتى بِالسُّؤالِ المُلِحِّ المُلْحِفِ، لِأنَّ ظُهُورَ أماراتِ الحاجَةِ تَدُلُّ عَلى الحاجَةِ، وسُكُوتُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ تِلْكَ الحاجَةَ ومَتى تَصَوَّرَ الإنْسانُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ رَقَّ قَلْبُهُ جِدًّا، وصارَ حامِلًا لَهُ عَلى أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا، فَكانَ إظْهارُ هَذِهِ الحالَةِ هو السُّؤالُ عَلى سَبِيلِ الإلْحافِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ مَعْناهُ أنَّهم سَكَتُوا عَنِ السُّؤالِ لَكِنَّهم لا يَضُمُّونَ إلى ذَلِكَ السُّكُوتِ مِن رَثاثَةِ الحالِ وإظْهارِ الِانْكِسارِ ما يَقُومُ مَقامَ السُّؤالِ عَلى سَبِيلِ الإلْحافِ بَلْ يُزَيِّنُونَ أنْفُسَهم عِنْدَ النّاسِ ويَتَجَمَّلُونَ بِهَذا الخُلُقِ ويَجْعَلُونَ فَقْرَهم وحاجَتَهم بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا الخالِقُ، فَهَذا الوَجْهُ أيْضًا مُناسِبٌ مَعْقُولٌ
صفحة ٧٣
وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُشْكِلاتِ ولِلنّاسِ فِيها كَلِماتٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ لاحَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ الثَّلاثَةُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى وقْتَ كُتِبَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.