Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:273
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: وهو الَّذِي خَطَرَ بِبالِي عِنْدَ كِتابَةِ هَذا المَوْضُوعِ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ وصْفَهم بِأنَّهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَهم قَبْلَ ذَلِكَ بِأنَّهم يَتَعَفَّفُونَ عَنِ السُّؤالِ، وإذا عُلِمَ أنَّهم لا يَسْألُونَ البَتَّةَ فَقَدْ عُلِمَ أيْضًا أنَّهم لا يَسْألُونَ إلْحافًا، بَلِ المُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى سُوءِ طَرِيقَةِ مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا، ومِثالُهُ إذا حَضَرَ عِنْدَكَ رَجُلانِ أحَدَهُما عاقِلٌ وقُورٌ ثابِتٌ، والآخَرُ طَيّاشٌ مِهْذارٌ سَفِيهٌ، فَإذا أرَدْتَ أنْ تَمْدَحَ أحَدَهُما وتُعَرِّضَ بِذَمِّ الآخَرِ قُلْتَ فُلانٌ رَجُلٌ عاقِلٌ وقُورٌ قَلِيلُ الكَلامِ، لا يَخُوضُ في التُّرَّهاتِ، ولا يَشْرَعُ في السَّفاهاتِ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُكَ مِن قَوْلِكَ لا يَخُوضُ في التُّرَّهاتِ والسَّفاهاتِ وصْفَهُ بِذَلِكَ، لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الحَسَنَةِ يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، بَلْ غَرَضُكَ التَّنْبِيهُ عَلى مَذَمَّةِ الثّانِي وكَذا هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ الغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى مَن يَسْألُ النّاسَ إلْحافًا وبَيانُ مُبايَنَةِ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَنِ الآخَرِ في اسْتِيجابِ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ.